عبد العظيم حَسن ليس طويل القامة. صوته خافت. يتساقط شعره في طريقه نحو الصلع ويرتدي النظّارات، أمّا بِذلته فلونها بنّي داكن يُشبه لون طاولة اجتماعات تقليدية، تتدلى من على جسدهِ كما لو أنها قد استسلمت. يعمل عبد العظيم في الغالب مُحاميًا للشركات، ولكن من وقت لآخر، تتحوّل معاركه المهنية إلى حملات أخلاقية شَرِسة، مثل الحملة التي شنّها ليستعيد اتصاله بالإنترنت. 

يعيش حسن في الخرطوم، عاصِمة السُّودَان، حيث أطاحت أشهر من الاضطرابات السياسية بالنظام الديكتاتوري العام الماضي. بدأ آلاف المواطنين بالنزول في احتجاجات عارِمة في جميع أنحاء السودان في شهر ديسمبر/كانون الأول من عام 2018 ضد الغلاء الهائل لأسعار الخبز. تزايدت أعداد الحشود في شوارع عطبرة (مدينة تبعد حوالي 5 ساعات عن العاصمة)، وانتشرت أخبار الاحتجاجات على مواقع التواصل الاجتماعي كالنار في الهشيم، مُحفزّة وملهبةً بذلك خيال الجماهير، وانتشر لهيب الثورة في أوساط باقي الشعب، حرفيًا ومجازيًا، ومن مدينة إلى أخرى. تواصل هذا الغضب العارم بالتحرّك لمئات الأميال إلى أن وصل أخيرًا وبعد ثلاثة أيام إلى الخرطوم، حيث يسكن الحاكم المُستبِد عمر البشير، والذي حكم السودان لثلاثين عامًا. 

تمثّلت ردة فعل البشير في حجب الإنترنت، أو حجب مواقع التواصل الاجتماعي، وهذا لاعتقاد الدكتاتوريين بأن الثورة تنطلق من هذا المكان. وبعد تنفيذ القرار، يمكن القول بأنه أصبح من المستحيل حتى شهر فبراير دخول مواقع مثل تويتر Twitter وفيسبوك Facebook وواتساب WhatsApp، إلّا عبر استخدام شبكة خاصة افتراضية (VPN). وُصِف الحجب حول العالم بـ «قطعٍ» للإنترنت، ولكنه كان بداية للعبة تشبه لعبة القط والفأر، ونُسخة افتراضية من العنف الذي كانت تمارسه أجهزة البشير الأمنية ضد الأحياء السكنية المُضطربة. من الأكيد أن البشير كان يعرف أن الـ VPN يمكِّن الناس من تفادي الحجب، ولكنه كان يعرف أيضًا أن إمكانية توفير بديل، تُمثّل تذكيرًا مُستمرًا له بمقدار سلطته.  

بحلول شهر أبريل، كان البشير قد انتهى وقته. فخلال حجبٍ ثانٍ لمواقع التواصل الاجتماعي، نُحِّيَ البشير عن طريق جنرالاته، ومُررت قيادة البلاد إلى المجلس العسكري برئاسة الرجل الذي نفّذ سياسة الأرض المحروقة والتي اتبعها البشير في دارفور. إلّا أن هذا أدى إلى إثارة غضب المتظاهرين الحالمين بدولة ديموقراطية يقودها مدنيون، وزحفت الجماهير بعدها عبر شوارع الخرطوم واعتصموا وبقوا فيها مدة شهرين حّتى الساعات الأولى من نهارِ الثالث من يونيو/حزيران 2019. في ذلك الصباح، وفي نهاية آخر يوم من شهر رمضان المُبارك، جاءت مجموعة من الرجال كانت ترتدي زي قوات الدّعم السريع، التي يهابها السودانيون، وفرّقت الحشود باستخدام الرصاص الحي. وفي الوقت الذي لجأت فيه الحكومة إلى الهجوم على شعبها، وجّه الناس هواتفهم الخلوية تجاه العنف وصوروه وبثّوه مُباشرة على الفيسبوك أو تجمعوا في أماكن تخفّيهم المؤقتة وسجلوا رسائل فيديو عبر الواتساب وأرسلوها إلى أُسَرهم يعتذرون لهم و يخبرونهم بِحُبّهم لهم. 

ثم إنقطع الإنترنت بشكل تام.

لم يكن الأمر حجبًا أو إبطاءً لمواقع التواصل الاجتماعي فحسب، حيث اتجه النظام الجديد عديم الخبرة والمرتبك مُباشرة إلى خيار القطع التام. لم تعد حلول الـ VPN مجدية، وتوقفت خطوط الاتصال الأرضية، وتوقفت كل أشكال التواصل الرقمي. باختصار، اختفى حضور السودان على خريطة الإنترنت العالمية. 

اتجه نشطاء الحقوق الرقمية في جميع أنحاء العالم  والعديد من السودانيين في الخارج  إلى وسائل التواصل الاجتماعي لدعوة الناس إلى الغضب. في الخرطوم، ظل الناس هادئين وبقوا في منازلهم وانتظروا. بعد المجزرة التي قتل فيها على الأقل مائة شخص وأصيب أكثر من سبعمائة شخص حسب تقارير منظمة العفو الدولية، كان من الخطر الابتعاد عن المنازل، لأنه وبدون الوصول إلى صفحات الفيسبوك المعنيةّ، لم يكن مُمكنًا معرفة الشوارع الآمنة. إذا كانت الحكومة مُستعدة لتطلق النار على مواطنيها في قلب العاصمة، فماذا ستفعل لاحقًا؟

بعد أسبوع على القطع التام للإنترنت، فقد حسن صبره ولم يعد قادراً أكثر على الانتظار. بعدها، استجمع ثقته المهزوزة بالقانون، ورفع دعوى قضائية ضد شركة زين (مزودة خدمة هاتفه المحمول). حاجَج بأن شركة زين قد نقضت العقد القانوني المبرم بينه وبينها. لقد وافق حسن على دفع فاتورة هاتفه الشهرية، و في المقابل وافقت الشركة على تزويده بخدمة الإنترنت دون قيدٍ أو شرط. من وجهة نظر حسن، لقد ارتكبت شركة زين مُخالفة وانتهكت الاتفاقية. إن حديثه هنا ليس عن انتهاك في حرية التعبير عن الرأي أو الحقوق الرقمية، وإنما عن انتهاك لاتفاقية الخِدمة الخاصة بها. حتى في الأوقات العصيبة للثورة، يمكن أن تكون المطالبة بالممارسات الديموقراطية أمرًا عاديًا. 

أشرف الشاذلي، (AFP/Getty Images)

من الصعب المبالغة في التناقض والعبثية، حتى في مناقشة أدق نقاط قانون العقود في أعقاب مذبحة مدنية، أمام قاضٍ مسؤولٍ من نظام عسكري لا يخضع للمساءلة. وعلى الرغم من ذلك، لا يوجد خيار سِوى المحاكم المحلية للجوء إليها عندما تقطع الحكومة الإنترنت. لا توجد معاهدة دولية تحمي الوصول إلى الإنترنت ولا توجد هيئة قانونية عالمية تفرض عقوبات على الحكومات المارقة أو مزودي الخدمات الخلوية. يوجد أشخاص فقط مثل حسن وشكواهم الصغيرة -نوعًا ما-، بأن شخصًا/شركة ما لم تلتزم بشروط عقدها.

نجحت دعوى حسن القضائية بشكلٍ مخالف للاحتمالات. أمرت المحكمة شركة زين أن تعطي لحسن إمكانية وصولهِ للإنترنت من جديد، وفي 23 يونيو/حزيران، نفّذت الشركة أمر المحكمة.  ولكن حسن كان مُدّعٍ واحد يرفع دعوى قضائية باسمه فقط، فقد التزمت المحكمة والشركة حرفيًا بالدعوى: تجاهلوا ملايين مستخدمي زين الآخرين، وفعّلوا إنترنت الموبايل عند….المُدّعي فقط. 

ولأن أمر المحكمة كان مبنيًا على إشكالية فنيّة، فقد تجاهلت المعارك الأكبر لحقوق الإنسان وسلطة الدولة التي تؤطّر غالبًا طريقة تفكيرنا في عمليات قطع الإنترنت.  لم يكن الأمر حدثًا حاشدًا للمحاربين في ميدان الحقوق الرقمية، وإنما كان فِعل حسن صورة مُصغًّرة للواقع الحرفي، لا البلاغي المنمق، والذي يشمل كل عمليات قطع الإنترنت. بغض النظر عن الأفكار والمعتقدات الكبيرة التي قد تكون على المحك، مثل عمليات القطع هذه تكون فوضوية وغير دقيقة، لأن من يطبقها في النهاية بشر، وبالتالي، فإن المعارك ضدّها تكون معاركًا تفويضية هامّة فِي صراعات السلطة بين الشعوب وحكوماتها.

هولي بيكيت

وفقًا للبيانات الصادرة عن مجموعة الدفاع عن الحقوق الرقمية «مساعدو الأمن الرقمي Access Now»، فقد زادت عمليات الحجب والإبطاء وحظر مواقع التواصل الاجتماعي وأشكال أخرى من التدخل الرقمي سبعة أضعاف منذ عام 2015. حوالي نصف حالات القطع في أغلب السنوات تكون في الهند، حيث صار التدخل في الإنترنت سمة منتظمة للحكم المحلي في أثناء التوترات السياسية. في العام الماضي وحده بلغ إجمالي التدخلات عالميًا 18,000 ساعة في 21 دولة، أغلبها ديموقراطية. 

يصعب القول ما إذا كانت عمليات القطع فعّالة، ويعود ذلك جزئيًا، إلى أن الأشخاص الذين يريدون الوصول إلى الإنترنت حقًا، فسيجدون حتماً طريقة إلى ذلك.  و من جانب آخر، إن الذين إلي تنفيذ القطع لا يملكون أهدافًا مُصاغة بوضوح لسياستهم. يقول بيتر ميسيك، المستشار العام لـ Access Now: «ما نراه عادة هو أن الحكومات اليائسة تندفع لإسكات المُتظاهرين، ووقف انتشار الأخبار المُحرجة والمُهدّدة لهم، وللتحكم في تدفق المعلومات خلال الانتخابات أو الأوقات السياسية الحسّاسة». وعندما تحاول الحكومات تبرير عمليات القطع، فإنها تميل إلى التبرير بالمخاوف الضبابية فيما يخص القانون والنظام، أو بأنها فعلت ذلك بسبب الغش في اختبارات المدارس كما حصل في الجزائر والعراق وسوريا وإثيوبيا. 

يستخدم نشطاء الحقوق الرقمية مصطلح قطع الإنترنت للإشارة إلى أي شكل من أشكال التدخل الرقمي ابتداءً من حظر بعض المواقع الإلكترونية ووصولًا إلى قطع الإنترنت عبر فصل الكوابل تحت البحرية والتي توفّر الاتصال بالإنترنت لمزودي خدمات الهاتف المحمول والخط الأرضي. من وجهة نظرٍ حقوقية، يُعد أي تدخل في الوصول إلى الإنترنت انتهاكًا لحق التعبير عن الرأي. ولكن تحليليًا، فإن المُصطّلح من ناحية المعنى، يبطن أكثر مما يُظهِر، وهذا لأنه بكل بساطة يساوي بين اللحظة التي تحتاج فيها إلى VPN لفتح الفيسبوك، باللحظة التي لا يمكنك فيها إرسال رسالة واتساب تقول فيها أنك ما زلت حيًا. ويفترض المُصطلح أن كل أشكال التدخل في الإنترنت لها هدف واحد واضح وهو فرض الصمت. 

من المستحيل معرفة نوع الصمت الذي أراد المجلس العسكري فرضه عندما قطع الإنترنت في شهر يونيو/حزيران؛ هل كان مثلًا لإسكات المعارضة الداخلية وعرقلة التواصل بين قادة الثورة؟ أم لمنع الصور المُدِينَة له من الخروج إلى العالم؟

معظم الذين تحدثوا مع مجلة Rest of World أخذوا بالافتراض الثاني. فخلافًا للبشير، لم ينفذ قادة النظام الجدد أي قطعٍ للإنترنت سابقًا، وبالتالي، فلم يكونوا قد استوعبوا الحقيقة الراسخة: حتى أقسى الديكتاتوريين في العالم لا يوجد لديهم سلطة كاملة على الإنترنت. مهما كانت طريقة التدخل التي يريدون تطبيقها، فسيحتاجون إلى مُساعدة في تنفيذها.  ولهذا فإن أهم الفاعلين في عملية قطع الإنترنت، ليسوا الرجال الأشدّاء الذين يصدرون القرار وإنما شركات الاتصالات. وعند هؤلاء بالضبط حصل قطع الإنترنت وعندهم فَشِل. 

President Omar al-Bashir in Khartoum on 30 December 2018.

Original caption:

Sudanese President Omar al-Bashir arrives to meet with police officials at the headquarters of the
أشرف الشاذلي، (AFP/Getty Images)

لم ينقطع تدفق بيانات الهاتف المحمول إلا بعد خمس أو ست ساعات على مجزرة الثالث من يونيو/حزيران. ومثل انقطاع الكهرباء في المدينة، قطع مزودو خدمة الاتصالات الأربعة في السودان الإنترنت عن الناس، الواحد التلو الآخر، بين الساعة 11 صباحًا وساعات العصر، وقطعوا إنترنت الخط الأرضي الساعة 4 مساءً. يُشير توقف كل شبكة في وقت مختلف إلى أن شركات الاتصالات اتخذت قرارات تكتيكة حول كيفية و توقيت حجب الإنترنت عن الناس. 

الحادثة بحد ذاتها ليست غريبة بالمقارنة مع حالات قطع الإنترنت الأخرى. يقول ألب توكر (المدير التنفيذي لـ NetBlocks وهي منظمة حقوق رقمية متخصصة في مراقبة حجب الإنترنت حول العالم): «في كل التقارير حول قطع الإنترنت تمامًا … الأمر ليس جديدًا… حول العالم، وعندما تسعى الحكومات إلى قطع الإنترنت عن مواطنيها، فالعملية بطيئة ومعقّدة وبشرية»، وأكثر ما تستهدفه الحكومات هي الهواتف النقالة. في السودان وكما في كثير من دول العالم غير الغربي، يكون الوصول إلى الإنترنت عبر الهاتف النقال في المقام الأول. بدون الهواتف الذكية معهم أو الهواتف العادية محدودة الاتصال، لا يكون هناك اتصال بالإنترنت بشكل فعّال. 

خلال كل عمليات القطع في السودان، مثل حجب البشير لمواقع التواصل الاجتماعي، وقطع الإنترنت التام في شهر يونيو/حزيران، كانت المعلومات تخرج إلى عالم، ففي أثناء حجب البشير، تسربت المعلومات عبر برامج الـ VPN التي أوجدت قنواتها الخاصة  إلى وسائل التواصل الاجتماعي، وثبت أن حتى الحجب كان به ثغرات لا يمكن إغلاقها. عندما حلل توكر حركة الإنترنت في السودان عبر ثلاثة مزودين رئيسيين للهواتف المحمولة في السودان، وجد أدلة على مستويات اتصال منخفضة وبطيئة: كانت هناك حركة تسجيلات دخول إلى موقع فيسبوك من شبكة زين مثلًا. بمعنى آخر، لم ينقطع الإنترنت كليًا. 

من المستحيل معرفة المستفيد تحديدا من تلك الثغرات (لم ترد شركة زين ولا MTN، وهي شركة اتصالات متعددة الجنسيات تعمل أيضًا في السودان على استفسارات Rest of World)، ولكن داخل شركات الاتصالات كان هناك بعض المهندسين الذين تعاطفوا مع الثورة، فأعادوا تشغيل الانترنت لبعض الأشخاص وهو ما لم يكن في حسبان أصحاب السلطة.

 قال خالد عمر وهو أحد قادة قوى الحرية والتغيير (تُشكل مظلة لعدد من الهيئات والمجموعات التي قد قادت الثورة) إنه وبعد بداية القطع، قد حصل على شريحة SIM برقم جديد من مهندس اتصالات متعاطف مع الثورة وأخبره المهندس بأن الإنترنت متاح على تلك الشريحة. وأخبر قائد آخر قصة مشابهة، وقال «لقد كان الإنترنت مجانيًا أيضًا» وكان صوته ينم عن المُفاجأة. إذًا، فقد أكد مهندسان من شركتيّ اتصالات مختلفتين استمرار وصول الإنترنت.  لقد صرح كِلاهما عن وجود لجنة مهندسي اتصالات يعملون في مختلف الشبكات  وينسقون خططًا سرية لتأمين الاتصال بالإنترنت. 

يبقى الحديث عن الآليات السياسية والتقنية لنظام قطع الإنترنت شأنًا خطيرًا، إذ يعتبر قادة الجيش السوداني الإنترنت أمرًا يمس بالأمن القوميّ، كما أن طرق المراقبة في البلاد سواء كانت عبر شبكة الإنترنت أو غيرها  يتم تدعيمها جيدًا. وصف لنا مهندسو اتصالات من خارج السودان عددًا من الإجراءات التقنية والتي يمكن لأي مهندس لديه المعرفة المناسبة وأكواد/رموز الوصول للشبكة أن يستخدمها للتمكن من الاتصال المحدود بالإنترنت بشكل غير مرئيّ. أما المهندسون السودانيون، فقد رفضوا مناقشة تفاصيل تنفيذهم لخطتهم. قال أحد المهندسين: «لا أعرف ما إذا كان قد أخبرك أحدهم أو لا، ولكن ثورتنا لم تنتهِ بعد. إذا كان لدى أحدهم سلاح سريّ، فلن يخبر الآخرين عنه».

تجمّع الناس في زوايا الشوارع بالقرب من البنوك والفنادق، وفي أي مكان يمكن لهواتفهم أن تلتقط فيه إشارة إنترنت .واستخدموا تطبيق فك تشفير اختراق كلمات الدخول إلى الشبكات

ولكن الحكومة سرعان ما اكتشفت أن أكبر نقاط ضعفها في أثناء القطع التام، هي حاجتها الخاصة إلى الإنترنت. بتاريخ 8 يونيو/حزيران، وبعد خمسة أيام على بداية القطع، أعادت الحكومة الإنترنت عبر الخط الأرضيّ. لقد كان أكثر القرارات المحافظة والمتاحة لها: فهي اتصالات نادرة ومكلفة مقارنة بالاتصالات الأخرى، والمشتركين بها قلائل والوصول إليها محصور على االبنوك والوزارات والشركات الخاصة. على الرغم من ذلك، وفور عودتها، أحدثت فرقًا. 

أحد الأماكن التي عاد إليها اتصال الإنترنت عبر الخط الأرضي كان مساحة دراسة جماعية لطلاب الجامعات أشبه ب(WeWork) ، في ضاحية بري والتي تعد القلب النابض للثورة. كان المكان مُدرًا للربح بالنسبة لصاحبه إلى أن بدأت المظاهرات، حيث كانت تقع أحداثًا أسبوعية وأحيانًا يومية تتحول إلى اشتباكات بين الشباب والشرطة. في أحد الأيام من آخر شهر فبراير/شباط، أخطأت الشرطة الهدف وأطلقت قنبلة غاز مسيل للدموع على نافذة المكان بدلًا من المتظاهرين، فاختفى العملاء إلى أن عاد الاتصال بالإنترنت عبر الخط الأرضي، فأصبحت مساحة الدراسة هي المكان الوحيد والقريب بإنترنت متوفّر. دفع الطُلاب 100 جنيه سوداني (حوالي 1.15 دولارًا)، بالإضافة إلى سعر اليوم المعتاد وهو 30 جنيهًا (حوالي 55 سنت) مقابل كلمة مرور Wi-Fi اليومية.  في الخرطوم يمكنك دفع 100 جنيه نظير شراء عشر رحلات بالحافلة أو خمس زجاجات كوكا كولا. حضر العديد من الطلاب وهو ما ساعد مكان الدراسة على تعويض  الإيرادات الضائعة في آخر شهرين خلال أسابيع قليلة، فأرسل الطُلّاب رسائلهم وتابعوا وسائل التواصل الاجتماعي ودرسوا. يقول طالب الطب محمد حسين (21 عامًا): «كل كتبي الدراسية موجودة على الإنترنت».

مع عودة اتصال الإنترنت عبر الخطوط الأرضية، نَشطت حركة مخترقي هذه الخطوط. قام مجموعة من التقنيين الشباب الذين يعملون بشكل مستقل عن شبكة الاتصالات الفاسدة بإعداد شبكة wi-fi موازية لشبكة الحكومة نفسها. تمكّن الشباب من بث شبكة إنترنت جديدة باسم «ثورة السودان» مستفيدين بذلك من ثغرات النظام، دون إرباك الشبكة الأصلية. نظّموا العمل فيما بينهم ونشروا البيانات بالطريقة القديمة، عبر الكلام الشفاهي أو عبر الرسائل القصيرة (SMS). 

حوّل قطع الإنترنت السودانيين العاديين إلى مخترقي شبكات. تجمّع الناس في زوايا الشوارع بالقرب من البنوك والفنادق، وفي أي مكان يمكن لهواتفهم أن تلتقط فيه إشارة إنترنت واستخدموا تطبيق فك تشفير لاختراق كلمات الدخول إلى الشبكات.  قال مدير قسم تكنولوجيا المعلومات في أحد الفنادق متوسطة المستوى، والمعروف جيدًا بين عملاء الأمم المتحدة بسبب الإنترنت السريع والموثوق فيه، إنه اضطر إلى تغيير كلمة المرور مرتين في اليوم عندما قام العديد من الأشخاص بالدخول إلى الشبكة. لكنه هو وملّاك الفندق تعاطفوا مع الأشخاص الذين يحاولون الاتصال بالإنترنت للتواصل مع عائلاتهم، لذلك انتظروا حتى تنخفض سرعة الشبكة إلى 1 ميجا بايت في الثانية قبل إعادة تغيير كلمة المرور.

A cyber cafe in Khartoum, Sudan in January 2020.


Original caption:

039-042 A cyber café. Some cyber cafés had service after the internet was partially restored, so they became very crowded.

Khartoum, Sudan, Jan. 7, 2020.
هولي بيكيت

من المفارقة أن تجد مكان المعركة من أجل الوصول إلى الإنترنت كان في الواقع هو الشارع وليس عبر الإنترنت. ظهر هذا جليًا في الخرطوم، حيث لا يكون الوصول إلى الإنترنت فقط من أجل التسلية أو الراحة وإنما من أجل التكيف مع ندرة الموارد في أثناء قطع الإنترنت، وخير مثال على ذلك هو نقص الأموال. يعيش الكثير من الناس في السودان فقراء، ولكن السودان ككل يعاني من حالة فقر نقدي. وبسبب غياب العملة الصعبة، ومعاناة البلاد من أعلى معدلات التضخم في العالم، فإن أغلب المعاملات المالية في الخرطوم تكون إلكترونية. منذ عام 2018، وضعت البنوك السودانية حدًّا لسحب الأموال نقديًا، ويستخدم الناس هناك النقد فقط للمشتريات العرضية مثل رغيف خبز أو حجر شيشة أو كوب «جبنة»، وهي قهوة سودانية حلوة وقوية تقدمها النساء اللواتي يرتدين الأوشحة حول كل أجسادهنّ في أكشاك بيع الشاي المنتشرة في جميع أنحاء البلاد. 

عادة ما تكون الخرطوم مدينة صاخبة وتضج بالحياة. تمتزج الأحياء السكنية ومناطق الأعمال والتجارة مع بعضها البعض، وعلى الرغم من أن معظم الناس لا يبعدون أكثر من بضعة أميال عن وسط المدينة، إلّا أن شوارع المدينة الشهيرة المزدحمة قد تجعل هذه الرحلة تستغرق ساعة أو أكثر. كل هذه الحركة التجارية توقّفت مباشرة خلال فترة قطع الإنترنت. شاهد أصحاب البقالات محالهم تتدهور بينما يحسب العُملاء جنيهاتهم ليحددوا أولوياتهم ويختارون الحاجة الطارئة بدلًا من الضرورية. قال مُلّاك مقاهي الإنترنت ومحلات البقالة وصالونات البلايستيشن وبائعي الأفلام المقرصنة أن عائداتهم تراجعت بين 60% و75% أو أكثر. بينما اعتاد الناس أن يصطفوا أمام المحلات ليدفعوا بالبطاقات البنكية أو عبر هواتفهم، صاروا الآن يدفعون بالجنيهات القليلة التي يملكونها أو ببساطة يبقون في منازلهم. 

مع الشراء النقدي، تراكمت الأموال في المحلات، وبسرعة صارت عملية السطو المسلح حدثًا شائعًا. تساعد منال عوض محمد في إدارة أقدم محل بقالة في الخرطوم و توظف دائمًا ضابط شرطة خارج المحل، أما في أثناء قطع الإنترنت، فقد استأجرت ثلاثة آخرين. قاموا بحماية المحل ولكنهم أخذوا جزءًا من أرباح المحل. تنّقل خالد علي (23 عامًا) الذي يعمل في بيع الكابلات عبر الخرطوم مثل جاسوس محتال، بحقيبة مليئة بالمال النقديّ وسلاح مُخبأ في جيبهِ ويغيّر سيارات الأجرة، ويراقب المرايا الخلفية بحذر في حال تتبعه أي لص محتمل. أما محمد مصطفى، فيبيع مستحضرات تجميل نيفيا Nivea للمتاجر الصغيرة، وذات مرة، بعد تسليمه لطلبية بـثلاثية دقيقة، سطا رجل مسلح على المتجر وقتل زبونًا هناك. دفع الخوف و حالة غياب الأمن بمصطفى إلى إيداع الأموال بشكل يومي في حسابه، على الرغم من علمه بأنه من غير الوارد أن يرى تلك الأموال مرة أخرى. قال مُحمّد: «كان شعورًا سيئًا للغاية. يشبه الأمر دفن ميت في المقبرة. أنت تعرف يقينًا أن أن هذا المال حين يتم إيداعه لن يعود لك».

إذا كان من الصعب تخيّل الفوضى التي أحدثها قطع الإنترنت، رُبما يكون من الصعب تخيل فقدان الإنترنت في مكانٍ تكون فيه الحياة على الإنترنت أكثر انفتاحًا وأكثر إرضاءً من الحياة الواقعية. تحدث الناس في الخرطوم عن انقطاع الإنترنت والحزن يُسمع في أصواتهم. شَعَر كثيرون منهم بأنهم معزولون وجوديًا، لأنهم غير قادرين على الاتصال بالعالم كما اعتادوا. شعر أبو بكر عبد الرحمن بالغصّة وأشاح بناظريه إلى الأسفل عند سؤاله عن فترة انقطاع الإنترنت. يملك أبو بكر محل إصلاح هواتف وخدمات تقنية. يقول: «لا تعرف ما يحصل حولك. لا يمكنك فعل أي شيء. لا يمكنك حتى طمأنة الناس خارج البلاد وإخبارهم أنك بخير»، ثم يضيف بصوت هادئ: «كان الأمر فظيعًا جدًا».

يعمل مازن الفاتح (28 عامًا)، مهندس شبكات، وتحدّث عن الإنترنت كما لو أنه كان يتحدث عن فقد عزيزٍ له: «الإنترنت حرفيًا هو حياتي. أتعلم كل شيء من اليوتيوب، مثل اللغات والبرمجة» أما عن شعوره فترة الانقطاع فقال: «أنت وحيد عندما لا توجد شبكة ولا تحرز بالتالي أي تقدم، ولا تكتسب أية معرفة ولا أية مهارات جديدة. أنت شخص وحيد… أنت حيّ نعم، ولكنك ميت بطريقةٍ ما».

هولي بيكيت

استمر قطع الإنترنت عن الهواتف في شهر يونيو/حزيران لـسبعة و ثلاثين يومًا، ومع حجب البشير قبله لمواقع التواصل الاجتماعي، كلّف الدولة ما يقارب 1.9 مليار دولار أميركيّ. كانت المآسي الناتجة عن القطع، مثلها مثل الثورة، أكثر حدّة وتأثيرًا في المناطق البعيدة عن العاصمة، حيث يعيش الناس على أقل مما يعيشه به أهل الخرطوم بكثير. إذا كان الهدف من القطع هو تعطيل الزخم السياسي، فقد جاء بنتائج مُعاكسة. يقول أمجد فريد الطيب، عضو اللجنة القيادية في تجمع المهنيين السودانيين : «لم يكن لدينا الخيار لنشعر بالابتئاس. لم يكن لدينا خيار العودة إلى الوراء، ولم يكن هناك خيار للتوقف أيضًا».

وعلى الرغم من سهولة مراقبة الهواتف العادية والرسائل النصّية إلا أنها كانت تؤدي الغرض. والأهم من ذلك، بمقدار ما ضخّمت وسائل التواصل الاجتماعي من الدعوات إلى المشاركة في المظاهرات أو في الإضرابات أو دعوات الاعتصام في الشوارع ، تحوّلت الثورة من من حدث رقمي، إلى حدث فعلي في الشارع. انتشرت شبكات جديدة من «لجان الأحياء» عبر المدينة لتكون بديلًا ثوريًا للمجالس المحلية الفاسدة التي كانت ذات دور مركزيّ في ظل ولاية البشير المافيوية والقائمة على مراقبة على الناس.

تقول الطبيبة سارة عصام، قائدة إدارة الصحة العامة في الاعتصام: «كانت لجان الأحياء قلب الثورة، خصوصًا عند انقطاع الإنترنت». في أثناء فترة قطع الإنترنت، أوصل الثوار الدعوات عند إشارت المرور ووضعوا المنشورات الورقية تحت أبواب المنازل في دهمة الليل. كما حوّلوا شوارع الخرطوم إلى لوحات رسائل وتواصل ووضعوا علامات على الجدران  واللوحات الإعلانية ورسموا بالغرافيتي للإعلان عن المظاهرات القادمة.

انتهى كل شيء في 30 يونيو، بعد أربعة أسابيع تقريبًا على يوم المذبحة وبعد 30 عامًا على وصول البشير إلى السلطة بانقلاب عسكري، عندما تظاهر ما مقداره مليون شخص في جميع أنحاء العاصمة. قال عمر، أحد القادة «كان لدينا شعور بأن ذلك لن يحدث بدون الإنترنت، وأنه لا ينبغي أن تكون آمالنا عظيمة، ولكن المظاهرة أدهشتنا. أكبر مظاهرة في تاريخ السودان كانت قد نظّمت بدون إنترنت». بعد فترة وجيزة، وافقت الحكومة على التفاوض للانتقال إلى حكم مدنيّ، وبعد 9 أيامٍ على المظاهرة، حكمت المحكمة العليا في السودان في دعوى جماعية رفعها حسن بعد انتصاره الشخصي، وأمرت جميع شركات الاتصالات بإعادة الإنترنت إلى المشتركين، ونُفِّذ الأمر في اليوم نفسهِ.

في أثناء ذلك كله، عادت الحياة إلى الخرطوم وبدأت تفتح المدينة من جديد. وعلى الرغم من أن العديد من القوانين الدينية المتشددة ما زالت موجودة في الدولة، إلا أنها لم تعد تُطبق بالقوة. عملاء جهاز الأمن والمخابرات الوطني أصحاب الهيبة قديمًا، لم يعد لهم أي تأثير الآن، وصارت شرطة النظام العام عاجزة عن إخبار الشبان والشابات  المسترخين على امتداد نهر النيل عند غروب الشمس بعدم المغازلة أو تشبيك الأيادي، ولم يعد هناك من يراقب الناس في حال ذهابهم إلى الكنائس. ضجّت الحياة من الجديد في الشوارع وعجّت المطاعم بالزبائن وخلطت الفرق الغنائية في الحفلات بين الموسيقى السودانية التقليدية وإيقاعات البوب العالمية في ليالي أيام الجُمعة. قال لي صحفي سوداني مسلم «عيد ميلادٍ مجيد Merry Christmas» عندما تحدثنا عبر الهاتف في يوم عيد الميلاد Christmas، وأضاف «يمكننا أن نتمنى لإخواننا المسيحيين عيد ميلادٍ مجيدٍ لأول مرة في حياتنا».

لا تزال هناك الكثير من التحديَّات السياسية طبعًا، فالاقتصاد في حالة يُرثى لها، أما البنوك والمستثمرون الأجانب فقد بدأوا يتجهون ببطء إلى فكرة ممارسة الأعمال التجارية والاستثمار في السودان. تخرج هبات مقتطّعة بين الحين والآخر. لقد نزل المتظاهرون مؤخرًا إلى الشارع للاحتجاج على نهج الحكومة الانتقالية في الإصلاح العسكري. في أول شهر مارس/آذار، نجا رئيس الوزراء بالكاد من محاولة اغتيال نفّذها مهاجمون مجهولون. يتوقع الناس الكثير من التقلبات إلى حين إجراء الانتخابات في عام 2022. لا يهدف الناس إلى تحقيق السلام بقدر ما يهدفون إلى تحقيق الهدوء.

A mural at the site of the sit-ins in Khartoum, Sudan in January 2020.

ORIGINAL CAPTION

Art at the sit-in space. At right is the outline of Sudan, with a barbed-wire fence separating South Sudan, with a caged bird flying free.

Internet Shutdown during Sudan Revolution
هولي بيكيت

وبينما يكون من المغري مُتابعة الجدل القانوني بوصفهِ عَرْضًا جانبيًا خلال أوقات العنف، يقول الكثير من الناس في الخرطوم إن قضية حسن كانت حاسمة ومهمة. على الصعيد العالمي، يوجد ما يقرب من عشرين دعوى قضائية مماثلة تدعي عدم قانونية قطع الإنترنت، رُفع معظمها خلال العام الماضي. حالات قليلة منها تم البت فيها بالسرعة التي حصلت في السودان، ولكن طالما أن الدعوى قد رفعت، عادة ما يفوز المدعون، مثلما حصل في الهند وزيمبابوي وباكستان وهي أماكن معروفة بعدم تطبيقها لمبادئ الديمقراطية دائمًا.

لا تحاول أغلب هذه الحالات إثبات ادعاءات واسعة متعلقة بحرية الإنترنت. فمثلما تَعْمد الحكومات في عمليات قطع الإنترنت إلى التركيز على الأمور الفنية، تركزّ هذه الدعوات القضائية على الجوانب الفنية أيضًا. هذا كل ما في الأمر. عدد قليل من الدول لديها قوانين تحمي الوصول إلى الإنترنت، ولا يوجد حتى الآن مسار واضح نحو تطبيق دولي لمثل هذه القوانين. وعلى الرغم من أن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة وصف الوصول إلى الإنترنت بأنه حق أساسي من حقوق الإنسان في عام 2016، فإن وكالة الاتصالات الخاصة به لا تزال تعترف بحقوق الدول السيادية في تقييده لدواعي «الأمن أو النظام العام أو آداب السلوك». يقول ميسيك، المُستشار العام لـ Access Now « إذا كنت ترغب في محاربة قطع الإنترنت، فغالباً ما تكون المحاكم المحلية هي الخيار الوحيد»، حتى في تلك الحالة، «لا أعتقد أن هناك أي حلٍ سحريٍّ».

يخشى نشطاء حقوق البيانات في هذه الأيام من أن التقدم التكنولوجي مثل شبكات 5G سيمكّن قريبًا الحكومات من فرض المزيد من عمليات قطع الإنترنت المُستهدِف والدقيق. قد يتم تحديد المستخدمين فُرادىً بهجمات مخصصة – نوع من فقدان البيانات قد يبدو وكأنه نتج عن خلل في الشبكة إذا لم تكن تعرف بأنك الشخص الوحيد المتأثر. تتجنب دولٌ مثل روسيا وإيران هذه الأمور بشكل كامل تقريبًا عبر بناء «شبكة إنترنت مستقلة» تسمح لها بإبقاء المستخدمين على اتصال بالأمور التي يحتاجونها، مثل تنفيذ المعاملات المالية عبر الهاتف المحمول واستخدام البريد الإلكتروني الحكومي، قاطعةً إياهم عن الإنترنت العالمي «الفعلي» الذي لا تريدهم الحكومة أن يصلوا له. ليس من المستغرب إذن أن الوصول إلى المعلومات وإلى تكنولوجيا الاتصالات كان نقطة شائكة في مفاوضات الصيف الماضي بين الجيش السوداني وقادة الثورة والتي أدت إلى حكومة انتقالية بقيادة مدنية. وبعد مرور سبعة أشهر على ذلك، لا يوجد في السودان حتى الآن وزارة لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات ولا حتى هيئة تنسيق مركزية. يبقى سؤال «من يملك الإنترنت» سؤالًا حسّاسًا، ولا تزال الانتخابات على بعد عامين تقريبًا، ولكن الثوار السودانيين حققوا انتصارًا واحدًا خلال المفاوضات: إحدى الركائز الأساسية للدستور السوداني الانتقالي هي الحق في وجود إنترنت حر ومفتوح.